الشيخ محمد الخضري بك

87

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

البقرة قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 1 » ثم حتّم جلّ ذكره عدم اجابتهم بقوله وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ « 2 » فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحقّ لما تأخّروا عمّا طلب منهم مع سهولته وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين ، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنّى ذلك ولو نطقا باللسان . وقد تبيّن الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد اللّه بن سلام ، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القران بعد أن كان اليهود يعدّونه من رؤسائهم عدوه من سفهائهم حينما بلغهم إسلامه ، فبئسما اشتروا لأنفسهم أن يكفروا بما أنزل اللّه بغيا أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده ، ولما استحكمت في قلوبهم عداوة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ « 3 » . المنافقون وكان يساعدهم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى اللّه بصائرهم ، فأخفوا كفرهم خوفا على حياتهم ، وكان يرأس هذه الجماعة عبد اللّه بن أبي بن سلول الخزرجي الذي كان مرشحا لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا شكّ أن ضرر المنافقين أشدّ على المسلمين من ضرر الكفار ، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم ، ويشيعونها بين الأعداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مرارا ، والأساس الذي كان عليه رسول اللّه أن يقبل ما ظهر ويترك للّه ما بطن ، ولكنه عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما . فكثيرا ما كان يتغيب عن المدينة ، ويولي عليها بعض الأنصار ، ولكن لم يعهد أنه ولّى رجلا ممّن عهد عليه النفاق ، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم ما يكون منهم لو ولّوا عملا ، فإنهم بلا شكّ يتّخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين ، وهذا درس مهمّ لرؤساء الإسلام يعلّمهم أنهم لا يثقون في الأعمال المهمّة إلّا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد .

--> ( 1 ) سورة البقرة اية 94 . ( 2 ) سورة التوبة اية 32 . ( 3 ) سورة البقرة اية 59 .